العودة للخلف

(الثامن) شهر الصدقة والبذل والجود

تاريخ النشر: 20 / 02 / 2026
: 2

شهر الصدقة والبذل والجود

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومَن اقتفى، وسلّم تسليمًا كثيرا.

أما بعد:

فقد جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»([1]).

هكذا كان هديُ رسولِنا ، كان أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وذلك أنَّ شهر رمضان شهرُ المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الحسنات، وطلب العفو والمغفرة من رب الأرض والسموات، والأعمال الصالحات فيه أعظم، وإحدى الحكم العظيمة من الصوم تذكُّر حال الفقراء والمحتاجين ليحصل العطف عليهم، ولِتُمدّ إليهم أيدي البذل والعطاء والسخاء.

وفي المسند والسنن عن زيد بن خالد رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ»([2]).

وقال : «أحبُّ الناس إلى الله تعالى: أنفعُهم للنَّاس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سُرورٌ يُدخِلُه على مسلم، أو يَكشفُ عنه كربةً، أو يَقضي عنه دينًا، أو تَطردُ عنه جُوعًا»([3]).

وقد تظافرتْ الصدقة والصيام في وقاية المسلم من النار، كما قال النبي في الصيام: «الصِّيام جُنَّةٌ مِن النَّار»([4]).

كذلك قال النبي في الصدقة: «فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». متفق عليه([5]).

وكما أنَّ في الجنة بابا للصائمين، فكذلك فيها باب لأهل الصدقة.

كما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ : «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»([6]).

وقالت خديجةُ للنبيِّ : «وَاللهِ، لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الـمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ».

وأقرها النبي على أنَّ الصدقة من أسباب النجاة من الخزي أبدًا([7]).

وأخرج مسلم عن أبي مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «الصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ»([8]).

قال العلامة العثيمين رحمه الله: «الصدقة: بذل المال تقرّبًا إلى الله عز وجل، فيبذُل المالَ على هذا الوجه للأهل، والفقراء، والمصالح العامَّة، كبناء المساجد وغيرها؛ برهانًا على إيمانِ العبد، وذلك أنَّ المالَ محبوبٌ إلى النفوس، والنفوس شحيحةٌ به، فإذا بذلَه الإنسانُ لله، فإنَّ الإنسانَ لا يبذل ما يحبّ إلا لما هو أحبّ إليه منه. فيكون في بذل المال لله -عز وجل- دليلٌ على صِدق الإيمان وصحته. ولهذا تجد أقوى الناس إيمانًا بالله -عز وجل- وبإخْلافِه؛ تجدُهم أكثرَهم صدقة»([9]).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ».

وفي المسند عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يقول: «كُلُّ امرىء فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقضى بَيْنَ النَّاسِ»([10]).

قال البهوتي رحمه الله: «والصدقة في رمضان أفضل منها في غيره؛ لحديث ابن عباس قال: كان رسولُ الله أجودَ الناسِ، وكان أجود ما يكون في رمضانَ»، ولأنَّ في الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصَّوم»([11]).

والصدقات من الأعمال المضاعفات، كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]

قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: «الصدقة في رمضان مضاعفة، فإذا تصدَّق في رمضان وخصّه بمزيد صدقات أو في العشر الأخيرة؛ كان له فضله»([12]).

وثمة آداب مهمة للصدقة:

منها: مجاهدة النفس على الإخلاص لله تعالى فإن الرياء يدبُّ على الأعمال المتعدية، والشيطان حريص على الذي جاهد نفسه فتصدَّق على أن يحبط عمله بالرياء ونحوه.

ومنها: تحرِّي الإسرار بالصدقة لأنه أبعد عن الرياء، قال الله تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271].

قال ابنُ كثير رحمه الله في تفسير الآية: «فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ إِسْرَار الصَّدَقَة أَفْضَل مِنْ إِظْهَارهَا لِأَنَّهُ أَبْعَد عَنْ الرِّيَاء إِلَّا أَنْ يَتَرَتَّب عَلَى الْإِظْهَار مَصْلَحَة رَاجِحَة مِنْ اقْتِدَاء النَّاس بِهِ فَيَكُون أَفْضَل مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة، وَالْأَصْل أَنَّ الْإِسْرَار أَفْضَل لِهَذِهِ الْآيَة وَلِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «سَبْعَة يُظِلُّهُمْ الله فِي ظِلِّهِ يَوْم لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: ... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَم شِمَاله مَا تُنْفِق يَمِينه». انتهى المراد منه.

ومنها: عدم المنّ بالصدقة والعطية فإنَّ ذلك يبطل الأجر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264].

ومنها: تحري الأقرب من الأهل والأرحام. كما قال ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى المسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ»([13]).

ونختم بقول النبي ﷺ «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ، أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». متفق عليه([14]).

ونسأل الله التوفيق والسداد، والهدى والرشاد، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 



([1]) البخاري 4997 ومسلم  2308 .

([2]) مسند أحمد 17033 ، سنن الترمذي 807، وابن ماجه 1746. والتعليقات الحسان 3420.

([3]) انظر: السلسلة الصحيحة :  906 ،  1494 ،  2291 ،  2715 .

([4]) مسند الإمام أحمد 16278 . وانظر: 9363، وهو في الجامع الصحيح 1446 .

([5]) البخاري 6023، ومسلم 1016.

([6]) البخاري 1897 ، ومسلم 1027.

([7]) البخاري 4953 ، ومسلم 160. ومعنى: (تُكسِب): أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك

([8]) صحيح مسلم  223.

([9]) شرح رياض الصالحين 1/191.

([10]) مسند أحمد 17333، وانظر: الجامع الصحيح 3925، الصحيحة 3484.

([11]) كشاف القناع 5/ 181 ط وزارة العدل.

([12]) مِن جواب سؤال عن «عشاء الوالدين عند أهل نجد» منشور على موقعه.

([13]) أخرجه أحمد وأهل السنن، وحسنه العلامة الألباني . انظر: الإرواء 883 .

([14]) البخاري 1442 ، ومسلم 1010 عن أبي هريرة رضي الله عنه..

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح